الخطيب الشربيني
464
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
على الدعاء إلى الله تعالى وإن تمردوا فليس عليه إلا البلاغ ، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال ، والباقون بالإدغام . ثم قال تعالى : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي : الكافرين كان عاقبتهم العذاب وهذا خطاب وإن كان ظاهره مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلا أن المقصود منه خطاب الكفار ؛ لأنهم سمعوا بالأخبار ما جرى على قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من أنواع العذاب فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوفه يحتمل أن يكون زاجرا لهم عن كفرهم . وقوله تعالى : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء من المنذرين استثناء منقطع ؛ لأنه وعيد وهم لا يدخلون في هذا الوعيد ، وقيل : استثناء من قوله تعالى وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ والمراد بالمخلصين : الموحدون نجوا من العذاب وتقدمت القراءة في المخلصين . ثم شرع تعالى في تفصيل القصص بعد إجمالها بقوله تعالى : وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ أي : نادى ربه أن ينجيه مع من نجى من الغرق بقوله : رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [ القمر : 10 ] فأجاب الله تعالى دعاءه وقوله تعالى فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ جواب قسم مقدر أي : فوالله ومثله : لعمري لنعم السيدان وجدتما ، والمخصوص بالمدح محذوف أي : نحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه . وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أي : من الغرق وأذى قومه وهذه الإجابة كانت من النعم العظيمة وذلك من وجوه أولها : أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال : وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فالقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم . وثانيها : أنه تعالى أعاد صيغة الجمع فقال تعالى فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وفي ذلك أيضا ما يدل على تعظيم تلك النعمة لا سيما وقد وصف الله تعالى تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة . وثالثها : أن الفاء في قوله تعالى فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ تدل على أن حصول تلك الإجابة مرتب على ذلك النداء وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة . وقوله تعالى : وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته قد فنوا فالناس كلهم من نسله عليه السّلام قال ابن عباس رضي الله عنه : ذريته بنوه الثلاثة سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس وحام أبو السودان ويافث أبو الترك والخزرج ويأجوج ومأجوج وما هنا لك قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أي : أبقينا له ثناء حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة ، وقيل : أن نصلي عليه إلى يوم القيامة . وقوله تعالى : سَلامٌ عَلى نُوحٍ مبتدأ وخبر وفيه أوجه أحدها : أنه مفسر لتركنا ، والثاني : أنه مفسر لمفعوله أي : تركنا عليه ثناء وهو هذا الكلام ، وقيل : ثم قول مقدر أي : فقلنا سلام وقيل : ضمن تركنا معنى قلنا ، وقيل : سلط تركنا على ما بعده فِي الْعالَمِينَ متعلق بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبوت هذه التحية في الملائكة والثقلين جميعا . وقوله تعالى : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تعليل لما فعل بنوح عليه السّلام من التكرمة بأنه مجازاة له أي : إنما خصصناه بهذه التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن ترقية ذكره